الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
141
طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )
النجّار أو الكفّاش مثلًا صنع باب أو نعلين من دون تقدير للوزن أو القيمة ، كما يمكن التمثيل لها في عصرنا هذا بركوب السيارة من دون تقدير للُاجرة . لكن يرد عليه ، أوّلًا : أنّ الإجماع قام على هذه الأحكام بالخصوص لا على استحسانها ، وهو في الواقع ليس إجماعاً في المصطلح ، بل سيرة مستمرّة إلى زمن النبي صلى الله عليه وآله ، لو ثبتت أنّ السيرة قامت على هذه الأحكام ، فهو دليل على حجّية سيرة المسلمين إذا كانت في عصره صلى الله عليه وآله ولم ينه عنها . وثانياً : أنّه يمكن إدخال هذه الأحكام تحت عناوين معروفة في فقهنا الثابتة بالأدلّة المعتبرة ، فيدخل المثال الأوّل والثاني في عنوان الإباحة مع الضمان الذي له مصاديق كثيرة في الفقه وكذلك مثال ركوب السيارة . يبقى مثال الاستصناع ، وهو أيضاً يدخل في عنوان البيع ، كما إذا اشترى الأبواب على نحو الكلّي في الذمّة إذا ذكر خصوصيّات الباب وقيمته ، نعم أنّه ليس داخلًا في عقد من العقود إذا ذكر للنجّار خصوصيّات للباب ووعده أن يشتري منه فيما بعد من دون تعيين القيمة ، ولكن عليه اشتراؤه دفعاً للضرر . هذا في ما استدلّوا به أنفسهم على حجّية الاستحسان ، ويمكن أن يستدلّ لهم بدليل الانسداد حيث إنّه في صورة الانسداد لا يكون الظنّ القياسي كافياً لهم ، بل لابدّ من التعدّي إلى الظنّ الاستحساني . والجواب عنه واضح ، وهو ما مرّ من كفاية الكتاب والسنّة مع ملاحظة الروايات المروية من طرق أهل البيت عليهم السلام ، فكم من مشكلة حصلت لهم بسبب إعراضهم عن حديث الثقلين وروايات العترة الطاهرة عليهم السلام . فقد ظهر إلى هنا أنّه إذا كان الاستحسان قطعياً فلا إشكال في حجّيته من باب كونها من المستقلّات العقليّة أو من اليقينيّات ، وإذا كان ظنّياً يكون مشمولًا لأدلّة عدم حجّية الظنّ .